ضميري في غرفة الانعاش

هذا النقاش في 'المنتدى العام' بدأه عبد الرحمن، ‏18 نوفمبر 2008.

  1. عبد الرحمن

    عبد الرحمن عضو جديد

    بداية المقال طويل لكنه حقاً ممتع..



    عرفته منذ طفولتي الأولى .. كان رجلا عظيما ذا هيبة ووقار..
    تختلط في نظرات عينيه الرقّة بالحزم، والشدّة باللّين والحب بالغضب ..
    وعندما سألتُ عنه أبي ذات عمر قال لي بأنّه ضميرك.. وهو خاص بك وحدك..
    فإحرص على راحته لأنّ في ذلك ستكون راحتك.. وبعفويّة الأطفال أسرعتُ إليه..
    أمسكت بيده وسحبته إلى غرفتي .. فرشت له بساطا بجانبي..
    وطلبت منه أن يقسم بأنّه لن يفارقني يوما.. فإبتسم ثم أقسم..
    وأقسمت له من جهتي بأنّي سأسعى لإرضاءه دائما، وبأنّي سأكون له تلميذا يفخر به..
    فضمّني إلى صدره الدافىء وربّت على كتفي طويلا إلى أن نمت أنا وظلّ هو مستيقظا...


    من يومها صرنا رفيقان لا يفترقان..كان يحدّثني فأسمعه.. ويدلّني فأتبعه..
    ويعتب عليّ فأشكره.. وعندما كنت أقف على أعتاب الخطيئة كان يسحبني..
    وإن أخطأت يمدّ يده لي فيرفعني...
    لذلك لم أكن أقبل أن يتهجّم عليه أحد أو يسبّب له أيّ إساءة..
    بل إنّه كان أحيانا – ومن شدّة إندفاعي في الدّفاع عنه- يطلب منّي
    أن أخفّف من وطأة غضبي.. ويذكّرني بأنّ للحديث آدابا حتّى ولو كان دفاعا عن الحقيقة...


    ولكن ومنذ أن بدأتْ آفاق الحياة تتسع أمامي.. بدأت أضيق ذرعا برفقة ضميري..
    فقد كان لا يكفّ عن توجيه اللّوم لي وتقريعي على أيّ فعلة أقوم بها..
    كان يزجرني وبشدّة.. ويُمضي اللّيالي الطّوال وهو يُوبّخني..
    ويحرمني من النوم إلى أن أقوم بإصلاح ما يراه هو خطأ لا سبيل في التّمادي فيه..
    ولقد كنت أحاول إقناعه دائما بأنّ لهذا العصر متطلّبات على المرء أن يُحكم
    التعاطي معها حتّى يجد لنفسه موقعا بين الآخرين..
    وأنّه ليس هناك من ضير في إستعمال بعض النّفاق والإحتيال والقسوة والظلم،
    إذا كان ذلك سيمكّننا من بلوغ ما نصبو إليه وفي زمن قصير جدّا..
    ولكنّه لم يكن يقتنع أبدا.. بل ويلومني حتّى على مثل هذا
    التفكير ويأمرني بألاّ أعود إليه مرّ أخرى وإلاّ فإنّ حسابي سيكون عسيرا..


    وتتوالى الأيام والسّنون.. والعلاقة بيننا تزداد سوءا وتأزّما..
    إلى أن كانت القشّة الّتي قسمت ظهر البعير..
    مع قرار إتّخذتهُ وإعتبرته المفتاح الحقيقي الّذي سيفتح لي
    أبواب السّعادة على مصراعيها.. فإذا بضميري يهيج ويثور وكأنني قتلت أحد أبناءه..
    ويطلب منّي وبغضب شديد أن أعدل عن قراري السّخيف لأنّه نصب على عقول الناس وسلب لأموالهم..
    فإنتفضتُ في وجهه صارخا وأقسمت أني لن أعدل عن قراري هذا مهما فعل..
    وأنّي أصبحتُ رجلا قادرا على تحمّل مسؤوليّة قراراتي لوحدي..
    بل أنّي لم أعد أصلا بحاجة إلى ضمير متخلّف مثله، لم يعد لوجوده فائدة و.. و..
    وبملىء كفّه صفعني صفعة ظلّ صداها يتردّد بين جوانحي طويلا..
    فما كان منّي إلاّ أن أشبعته سبّا وشتما..
    ثمّ ركلته خارج غرفتي وأقسمتُ بأنّي سأقتله إن رأيت وجهه مرّة أخرى..


    ومن يومها لم أقابله..
    ومن يومها أيضا عرفت طريق النّجاح – أو هكذا بدا لي- في وقت قياسيّ جدّا..

    كنت أشق طريقي ولا ألوي على شيء.. تاجرت في عرق الضعفاء..
    في دماء الأشقياء.. سوّيت عظام الناس بالتراب وهتكت أعراض الشرفاء..
    جمعت الثروات وبنيت القصور الفخمة.. وشربت من ملذات الحياة إلى أن ثملت..
    وبلغت القمّة أخيرا.. وحققت أحلامي الشاسعة والممتدة..

    ولكن – وما أمرّ هذه الكلمة –

    ولكن ما أقسى على المرء أن يكون في القمّة وحيدا..
    فلا نظرة إعجاب من أحد.. ولا جرعة حبّ من أيّ قلب.. ولا لمسة عطف من أيّ يد..
    لقد أحسست وأنا في جليد القمّة بحاجتي إلى قليل من الصّدق يبعث الدّفء في أوصالي..
    إلى قليل من الصّدق يُخرجني من الحزن الّذي أنا فيه..
    إلى قطرة واحدة من الصّدق علّها تنهي جفاف المشاعر الّذي يحتويني ..
    ولكن بلا فائدة.. وتذكّرت عندها ضميري..
    وأحسست بأنّه الوحيد القادر على إخراجي من حالة الإختناق هذه..
    وبسرعة خرجت أبحث عنه.. ولكنّي لم أجده..
    سألت عنه من تاجرت بعرقهم ودماءهم وأعراضهم..
    من حطّمتهم ظلما وأشبعتهم قهرا وألبستهم ذلاّ..
    فقالوا لي جميعا لا بدّ وأنّه قد مات ومنذ زمن طويل و إلاّ لما فعلتَ بنا ما فعلت...
    فتركتهم وأنا أردّد كالمجنون.. كلاّ لم يمت.. إنّه لم يمت بعد، فمازلت أشعر بوجوده...
    وتذكّرت تلك الغرفة القديمة الّتي كنّا نسكن فيها سويّا..
    تلك الغرفة الّتي طردته منها وغادرتها أنا عندما أصبحت ذا جاه ونفوذ..
    أسرعت إليها.. وقلبي يكاد يقتلع من مكانه...
    فتحت الباب وعيناي تخشى عدم رؤيته.. ولكّني وجدته هناك..
    مسجّى على ذات البساط في أحد الأركان المظلمة..
    كان هزيلا جدّا وضعيفا.. تبدو عليه امارات المرض وكأنّه لم يعرف الصحّة يوما..

    ناديته فلم يلتفت لي.. وكلّمته فلم يجبني..
    أمسكت بيديه المعروقتين ورجوته أن يكلّمني..
    ففتح عينيه ببطء شديد وكأنّه يقوم بمجهود خارق،
    ليغمضهما من جديد دون أن ينبس ببنت شفة.. إنّه مازال حيّا إذا..
    فحملته بين ذراعيّ وأسرعت به إلى مشفى كان يرتاده ضميري في السّابق
    كلّما ساءت أحواله أو إشتدّ به المرض..

    طرقت الباب طويلا وبعنف قبل أن يفتحه لي رجل مسنّ،
    نظر إليّ نظرة متثائبة وقال : تفضّل.. ميّت آخر؟

    فقلت: كلاّ .. إنّه ضميري يحتضر وأرجو مساعدتك لإنقاذه

    عندها تورّد وجه الرّجل وتهلّلتْ أساريره.. وظهر عليه الحماس والإندفاع
    وقال: حسنا إتبعني من هنا فعلينا أن نُدخله غرفة الإنعاش..
    وتبعته فإذا به يفتح غرفة كلّ ما فيها مكسوّ بالغبار..
    طرحتُ ضميري على على فراش بال، وبدأ المسنّ في ربطه بأجهزة عديدة ومختلفة...


    يا إلهي.. ما أبعد الأمس عن اليوم.. أهذا هو الرّجل الذي عرفته وأنا طفل صغير،
    عظيما ذا هيبة ووقار.. أهذا هو الرّّجل الّذي كان إن تكلّم صمتّ..
    وإن أشار فعلتْ.. وإن أمر أطعتْ.. أهذا هو الرّجل الّذي كان كالجبل فحطّمته بيدي..
    وكان شامخا فهدّمته بجهلي.. وكان سيّدا فجعلته أحطّ من العبيد.. فضيّعته وضيّعت نفسي..؟


    ووجدتني أنتحب وأبكي .. أنا الّذي لم تعرف الدّموع عيناي منذ زمن طويل..
    ولم أفق إلاّ والرّجل المسنّ يسحبني وبرفق خارج الغرفة
    قائلا: لندعه يرتاح الآن فهو بحاجة إلى ذلك..
    مثلما أنت بحاجة إلى بعض الرّاحة أيضا..>>
    فخرجنا ولأوّل مرّة أدقّق في المكان.. كان كلّ ركن فيه يُوحي بالخراب والإهمال..
    إلتفتُّ إلى الرّجل المسن وقلت له: عفوا إن سألتك..
    ولكنّي كنت أسمع من ضميري عن هذا المشفى غير ما أراه الآن بل نقيضه تماما فلِماذا.؟
    عندها هزّ الرجل المسنّ رأسه بكلّ أسى وقال : أتدري يا ولدي، في السّابق ومنذ
    عهود قديمة كان النّاس يحملون إلينا ضمائرهم لنُطهّرها..
    ولتشفى من أمراضها الّتي تصيبها سواء بالعدوى أو بفعل الزّمن..
    وكان المكان على رحابته كثيرا ما يضيق بروّاده..

    فقلت: ولكنّي لا أرى الآن إلاّ غرفتان فحسب.. والغبار والكآبة تكسوان كلّ الزّوايا..

    فقال: بالفعل لقد هدمتُ كلّ المشفى تقريبا ولم أترك منه إلاّ ما رأيت..
    وحوّلت البقيّة إلى .. تعال معي..


    حملني إلى باب خلفيّ صغير فتحه بيسر.. إذا بي أمام قبور متراصّـة..
    ممتدّة على إمتداد البصر..فصحتُ مذهولا.. مقابر..؟
    حوّلتَ المشفى إلى مقبرة مترامية الأطراف..؟

    فقال ولِم لا..؟ فقد أصبح النّاس يحملون إلينا ضمائرهم ميّتة ويطلبون منّا دفنها..
    لم يعد يأتينا أحد بضمير يريد شفاءه.. يقولون بأنّهم لم يعودوا بحاجة
    إليه في هذا العصر، وبأنّه صار عبئا يُـثـقل كاهلهم ومن الأفضل التخلّص منه..

    فقلت: وكيف تموت ضمائر النّاس..؟

    فقال: بعضها يموت قتلا.. وبعضها قهرا.. وبعضها إهمالا.. وغير ذلك كثير..
    المؤسف حقا هو عندما نتخيّل وجه العالم لو بقيتْ هذه الضّمائر حيّة في نفوس أصحابها..

    فقلت: وماذا عن ضميري أنا.. هل سيستفيق يوما ما..؟

    فقال: حتما.. لابدّ وأنّه سيستفيق يوما طال الزّمن أم قصر..
    فقط إحرص على مرافقته حتّى لا يفارقك.. وسيعود عندها أقوى ممّا كان وأحسن..
    وتذكّر دائما بأنّه مثلما هناك فئة من النّاس أهملتْ أو قتلتْ ضمائرها..
    هناك ضمائر خَلّدَتْ وإلى أبد الآبدين ذكرى أصحابها.



    بقلم الكاتب : الياس القرقوري
     
  2. mohamedali

    mohamedali مشرف عام

    مشكوووووووووووووور ولكن قد تعبت عيناى من القراءه لكنها مفيده
     
  3. Faten

    Faten مشرف

    قصة رائعة
    وكثير من الناس ماتت ضمائرهم فعلا
    مشكور اخي على الموضوع
    تحياتي
     
  4. عبد الرحمن

    عبد الرحمن عضو جديد

    مشكور على المرور اخي
     
  5. عبد الرحمن

    عبد الرحمن عضو جديد

    الاروع مرورك مشكوره
     
  6. Ahmed

    Ahmed واحد من الناس

    رائع أخي بارك الله فيك وجزاك الله خير الجزاء
    تقبل مروري
    كل الودّ
     
  7. عبد الرحمن

    عبد الرحمن عضو جديد

    مشكور على المرور
     

شارك هذه الصفحة